قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله
*لَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُها*
منهاج النبوة

سلاطين المغرب الذين ناصروا دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله


يقول صاحب " تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية ":

لعلكم تعلمون أن الإمام سعود بن عبد العزيز- وهو الإمام الثالث من الدولة السعودية الأولى- قد بعث بعدما دخل مكة في عام 1219 هـ ، رسائل لملوك شمال أفريقيا : تونس والمغرب الأقصى وغيرهم ، يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، صافياً نقياً من الأمور التي أدخلت عليه ، وبلغ للناس بصدق وأمانة ، عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وهي رسالة من ثلاث صفحات ، حسبما نشرتها مجلة ألمانية اسمها إسلاميكا Islamika ، مع دراسة باللغة الألمانية ، لما تعني الدعوة التي قاموا بها ، من أحد المستشرقين .
وكانت هذه الرسالة بمحتواها ونصها العربي ؛ ما قام به الإمام سعود ووالده من قبله ، من عمل وفق أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى دين الله على نور من الله ؛ ليزيل ما قد يكون علق بالأذهان من أكاذيب قيلت عن الدعوة ، ونفاها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، قبل وفاته ( 1115 – 1206 هـ ) ، وفي ردوده بقوله :

[ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينفي الأكاذيب حول دعوته ]
" سبحانك هذا بهتان عظيم ، وقبلنا كذب على صفوة الخلق صلى الله عليه وسلم ، كما في رسالته رحمة الله عليه لعبد الله بن سحيم وهو من المعارضين له ، وفي رسالته إلى عالم بغداد الشيخ عبد الرحمن السويدي رحمه الله تعالى : بعد أن بيّن لهذا الأخير عقيدته ، و ما يدعو الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى ، وإنكار ما فشا في الناس من أمر الشرك ، من دعاء الأموات ، والالتجاء إليهم من دون الله تعالى قال : فقام بسبب هذه الدعوة من عارضنا في ذلك ، وافترى علينا الكذب – إلى أن قال : - فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وغير ذلك من فرائض الله ، ونهيتهم عن الربا وشرب الخمر وأنواع المنكرات ، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه ؛ لكونه مستحسناً عند العوام ، فجعلوا قدحهم وعداوتهم في ما آمر به من توحيد ، وأنهى عنه من الشرك ، ولبسوا على العوام : أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس ، وكبرت الفتنة جداً ، واجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله ، منها : إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه ، فضلاً على أن يفتريه ، ومنها ما ذكرتم : أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل ؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف او مجنون ؟؟!!
وبعد أن عدد اموراً كثيرة مما نسبت إليه قال : والحاصل : أنما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك ، فكله من البهتان ، وهذا لو خفي على غيركم ما خفي عليكم .
ثم قلت : ومن رغبة الحكام والعلماء في المغرب التقصي ، نرى الحقيقة التالية :
تأثر بهذه الدعوة واهتم بها وبمحتواها بعد الدراسة والتعمق ،
سلطان المغرب الأقصى : سيدي محمد بن عبد الله العلوي - جد الأسرة الحاكمة الآن -:
حيث قام بمحاربة البدع في بلاده ، كما حارب تشعب الطرق الصوفية ، ودعا إلى الاجتهاد ، وإلى انتشار السنة ؛ لأنه ذلك الوقت من أقوى الحكام المسلمين ، ولان بلاده قد اكتوت بنيران : الباطنية العبيدية ، وأصحاب البدع مع تفشي البدع ، والوهابية الرستمية الخارجية الباطني ، علاوة على الغزو الصليبي للشمال الأفريقي بعد سقوط الأندلس في أيدي الإفرنج .
وقد ذكر محمد جمعه في كتابه :" انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب " أمورا من أعمال سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، فيما يتفق مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و حرصهما على تنقية التوحيد من البدع والشرك مع الله .
هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي : شارلي جوليان ، في كتابه :" تاريخ أفريقيا الشمالية " الذي ترجمه إلى اللغة العربية : محمد مزالي والبشير بن سلامة الذي مر بنا ذكره قبل قليل .
فقرأنا في الجزء الثاني قوله : وكان سيدي محمد ، وهو التقي الورع ، علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية ، وتأييد آل سعود لها ، وقد أعجب بعباراتها ، وكان يؤثر عنه قوله :" أنا مالكي المذهب ، وهابي العقيدة (1)" وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة بالدين والمحللة لمذهب الأشعرية ، وتهديم بعض الزوايا .
أما مؤرخ المغرب الأقصى : أحمد الناصري ، فإنه توسع في الجزء الثامن من كتابه التاريخي :" الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى " ... فإذا هو يقول [ أحداث عام 1226 هـ ]: في هذا العام حج جماعة من المغاربة صحبة المولى إبراهيم بن السلطان المولى سليمان سلطان المغرب الذي خلف والده السلطان : سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، فقال ابنه المولى إبراهيم ومن معه : ما رأينا من ابن سعود ما يخالف ما عرفناه من ظاهر الشريعة ، وإنما شاهدنا منه ومن أتباعه ما به الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة ، وصيام ونهي عن المنكر ، وتنقية الحرمين من الآثام .
ثم قلت لهم : هل من شهد له ولأتباعه المولى إبراهيم بن السلطان سليمان ، ومن معه من العلماء بعد المناقشة في مكة أثناء الحج عام 1226 هـ ، حيث قال الناصري عن الطريقة المتبعة في الركب النبوي الذي جرت العادة على خروجه من فاس على هيئة بدعية من الاحتفال ، وكانت الملوك تعتني به ، وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والقاضي وشيخ الركب ، وغير ذلك مما يضاهي ركب أهل مصر والشام .
قلت : ولكي أزيدكم ، ويستفيد منه من يطلع عليه بعدنا ، فإن الناصري في تاريخه هذا قد غطى حيّزاً كبيراً من أخبار هذه الدعوة بأكثر من عشر صفحات ، وسوف أزيدكم من قوله ، وهو من المؤرخين الموّثقين عندكم ، وتاريخه من مصادر بلادكم المهمة ...

[ ذكر المناظرة بين علماء المغرب وابن سعود ]
قلت : يقول الناصري عن السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي بويع في فاس في حدود عام 1226 هـ ، قد كان معاصراً للإمام عبد الله بن سعود ، ووالده الإمام العالم سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة المكرّمة في المرة الأولى حاجاً عام 1214 هـ ، الموافق لعام 1799م ، بأنه أراد أن يتحقق من ابن سعود وما يدعو إليه ، فأرسل ابنه إبراهيم في جماعة من علماء المغرب وأعيانه ، ومعه جواب من والده فوصلوا إلى الحجاز ، وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة ، كلّ هذا على الأمن والأمان والبّر والإحسان ، ثم أردف الناصري قائلاً : حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة ، أنهم ما رأوا من ذلك السلطان – يعني الإمام سعود – ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة ، وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة ، والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة ، وصيام ونهي عن المنكر الحرام ، وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت بهما من غير نكير ، وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم ، أظهر له التعظيم الواجب لآل البيت الكريم ، و جلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته ، وكان الذي تولىّ الكلام معه الفقيه القاضي : أبو إسحاق إبراهيم الزّرعيّ ، فكان من جملة ما قاله ابن سعود لهم : إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية ، فأي شيء رأيتمونا خالفناه من السنة ، وأي شيء سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا ؟؟.
فقال القاضي : بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي ، المستلزم بجسمية المستوي فقال له : معاذ الله ، إنما نقول كما قال الإمام مالك رحمه الله : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب .. فهل في هذا مخالفة ؟! .
قالوا : لا .. وبمثل هذا نقول أيضاً ، ثم قال القاضي الزّرعيّ له : وبلغنا أنكم تقولون بعدم حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم .. فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال : معاذ الله ، إنما نقول أنه صلى الله عليه وسلم حيّ في قبره ، وكذا غيره من الأنبياء ، حياة فوق حياة الشهداء .

[ خطبة المولى سليمان العصماء التي نصر فيها السنة وقمع البدعة ]
ثم في نهاية هذا الحديث ، قال الناصري : وأقول أن المولى السلطان سليمان رحمه الله ، كان يرى شيئاً من ذلك ، ولأجله كتب رسالته المشهورة ، التي تكلم فيها عن حال متفقّرة الوقت – يعني بهم رهبنة الصوفية – وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج على السنة ، والتّغالي في البدعة ، وبيّن فيها آداب زيارة الأولياء ، وحذّر من غلو العامة في ذلك ، وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين ، جزاه الله خيراً .
كما قال أن المولى سليمان قد حدّد خطبة تحث على التوحيد ومحاربة البدع ، وأمر بتوزيعها على مساجد الجمعة ، كما أمر بإغلاق زوايا الصوفية .
وبعد الحوار الذي دار في أمور كثيرة مما نسب لهم ، قال الناصري : ثم قال صاحب الجيش : هذا ما حدّث به أولئك المذكورون ، سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ، ثم سألنا الباقي أفراداً فاتفق خبرهم على ذلك .
أما الدكتور عباس الجراري وهو من هنا من المغرب ، ولست أدري هل اطلعتم على محاضرته عام 1399 هـ ، بجامعة الرياض ، جامعة الملك سعود حالياً التي قال فيها : إن التيار السلفي في المغرب ، قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري ، حيث وجه السلطان الحسن عام 1300 هـ ، رسالة إلى الشعب المغربي ، وقد نوّه عن هذا الناصري أيضاً
كما برز أمامنا أن علماء المغرب برّأوا علماء الدعوة وحكام آل سعود ، الذين ناصروها إحياءً لدين الله ، وتجديداً لما اندثر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإماتة للبدعة ، عندما تناظروا معهم عام 1226 هـ ، وظهر لهم كذب ما نسب للشيخ والدعاة لدين الله .

[ سلاطين المغرب الذين ناصروا دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ]
وعلى هذا بان لنا أربعة من سلاطين المغرب الأقصى ، اهتموا بهذه الدعوة ، وتبنّوا نشرها في بلادهم ، وهم :-
1- المولى السلطان : سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، الذي كان معاصراً للإمام عبد العزيز بن محمد ، وتبّلغ رسالة الإمام سعود .
2- المولى السلطان : سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي ، الذي أوفد العلماء مع ابنه المولى إبراهيم ، وتناقش مع الإمام سعود بن عبد العزيز ، وعلماؤه مع علماء الدعوة .
3- المولى السلطان : إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي ، الذي تسلم زمام الأمر بعد أبيه السلطان سليمان .
4- المولى السلطان : الحسن الأول في عام 1300 هـ ، ووقته فترة ما بين الدولة السعودية الثانية والدور الثالث لهذه الدولة ، الذي قام به الملك عبد العزيز من خمسة شوال عام 1319 هـ .
كما أن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي – رحمه الله – اهتم بهذه الدعوة ، وهو حسنيّ من العائلة المغربية الحاكمة ، وقد كان تيجانياً ، ثم لما عرف حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – حرص على نشرها في كل مكان ذهب إليه ، حتى استقر آخر عمره بفاس ، ثم تحول إلى الدار البيضاء ، حتى توفي رحمه الله ، وقد ألف رسالة عن التيجانية وبطلانها ، ومثله الشيخ عبد الرحمن الإفريقي الذي كان سنغالياً تيجانياً فتركها وألّف في ذم ما هم عليه . أهـ المراد منه باختصار

==================

(1) الذي في نسختي من الإستقصا :" وكان يقول عن نفسه حسب ما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة : أنه مالكي مذهبا حنبلي إعتقادا "( 8/68)